ابن قيم الجوزية

411

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل . ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات ، لطال الكتاب جدا . وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض وغربها ، وهم من أعظم الناس جحدا للضروريات . وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات ، وهم من أكثر الناس جحدا للضروريات . فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة ، لا يدل على مخالفتها لصريح العقل ، وباللّه التوفيق . فصل قال القدري : قال اللّه سبحانه : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] وعند الجبري أن الكلّ فعل اللّه ، وليس من العبد شيء . قال الجبري : في الكلام استفهام مقدّر ، تقديره : أفمن نفسك ؟ فهو إنكار لا إثبات ، وقرأها بعضهم : فمن نفسك بفتح الميم ، ورفع نفسك ، أي : من أنت حتى تفعلها ؟ ! قال : ولا بدّ من تأويل الآية ، وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ( 78 ) [ النساء ] فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده ، لا من عند العبد .